المركز الإعلامي

20 يوليو 2012 في محاضرتهم "شؤون الفكر العربي وشجونه" لشهر الفكر المفكرون العرب يثيرون ذائقة تجاربهم نحو التساؤلات التفكيكية

في شاكلة فريدة من نوعها، ألتقى المفكرون العرب على مائدة الثقافة ليناقشوا ويحللوا، تجاربهم الشخصية، وليتفكروا بالشأن العربي الذي ما زال يقع في مخاض التساؤل والفكر، على الرغم من تعاقب الأزمنة التنويرية والنهضوية، كان ذلك خلال ندوة نظمتها وزارة الثقافة في شهر الفكر ضمن المنامة عاصمة الثقافة العربية بعنوان "شؤون الفكر العربي وشجونه" ، في متحف البحرين الوطني، بحضور معالي وزيرة الثقافة الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، ونخبة من المفكرين والأدباء، في لقاء جمع الفكر الثلاثي للمفكر الدكتور محمد جابر الأنصاري مستشار جلالة الملك للشؤون الثقافية، والدكتور هاشم صالح، والدكتورة زهيدة درويش الأمين العام للجنة الوطنية لليونيسكو ببيروت.

أدار كفة الحوار الدكتور محمد الخزاعي الذي أشار إلى أن شؤون الفكر العربي وشجونه ليست وليدة الساعة فقد أشبعه المفكرون بحثاً وتنقيباً، وسيشكل إضافة نوعية للأنشطة الثقافية، إذ جاء في فترة نشهد فيها تحولات في الفكر العربي، مع بروز تيارات فكرية وسياسية ، لتغيير الخريطة الفكرية، إلى جانب ما نشهده من التيارات الدينية أيضاً التي أستطاعت التغلغل في الحياة السياسية بفكر ديني.


وقدم الدكتور المفكر محمد جابر الأنصاري مستشار جلالة الملك ورقته التي اعتبرها بأنها منتخبات ثقافية ولقطات فكرية احتفاء بالمنامة عاصمة الثقافة، والتي تعرض بشأنها إلى سبر أغوار تجاربه الشخصية ومحافل انتقالاته الفكرية منذ ترعرعه على مشارب العلم والثقافة، وكما يقول " أذكر أن ثقافتي العامة عندما كنت صبياً في البحرين لم تأت من الكتب، بل من الشارع، حيث كان الرجال يتحلقون عصراً أمام الدكاكين أو في ظل البيوت في حلقات مفتوحة يتحدثون بعفوية عن قضايا العالم والعصر، وكانت الحرب العالمية الثانية قد وضعت أوزارها في ذلك الوقت وكان الحديث عن مجرياتها ونتائجها، وتكونت معرفتي بها وبشخوصها وأسبابها والقوى المشاركة فيها، والمصالح المتنازع عليها دون قراءة أي كتاب".
وأسبر الدكتور الأنصاري قائلاً" كان الجو الثقافي بالهداية الخليفية حافلاً بشتى الأنشطة والفعاليات، كنا نرى الصور من مختلف أنحاء الوطن العربي الكبير على جدران المدرسة، وكنا نشعر بانتماء قوي إلى وطننا العربي منذ ذلك العمر المبكر، وقد أتيح لي ان أشارك في المسرح المدرسي الذي كان يعطي أهمية بالغة وعلى ذكر مكتبة الهداية الخليفية، كانت البحرين تعج بالمكتبات التجارية وكانت الكتب بمختلف اتجاهاتها تدخل البحرين في ظل تسامح وانفتاحٍ  مما أتاح للمواطنين والزائرين من دول الجوار الذين كانوا يأتون للبحرين خصيصا من أجل الكتب، للإطلاع على مختلف الاتجاهات الأيدلوجية وينابيعها العذبة، وفي الأسطورة السومرية القديمة، نجد نصاً يقول: لتصبح دلمون "مينا والعالم كله"، ودلمون هو الاسم الحضاري القديم لمملكة البحرين. وعندما تأتي التجارة تأتي معها الحضارة، فالإثنتان متلازمتان في التاريخ والحاضر".
وذهب المفكر الأنصاري إلى اشتغالاته الفكرية ، واهتماماته التخصصية مردفاً" كنت هاوياً للإنسانيات جميعاً، وفي النهاية، أخترت الفكر لأنه يطل على معارف عدة، فمن السياسة إلى الفكر سياسي، وفي الدين ثمة فكر ديني، وفي الاجتماع ثمة فكر إجتماعي وعلى ذلك قس".
من ثم تحدث المفكر الأنصاري عن أطروحاته الفكرية ومساهماته في الحقل الثقافي من إصدار للكتب، إلى ارتباطه بالصحافة اللبنانية، وتأسيسه  مجلة "الدوحة" الثقافية الشهرية، ومعهد العالم العربي في العاصمة الفرنسية، وعن كتاباته في الصحف العربية التي لم يتوقف عنها أيضاً، مروراً بمنصبه الأكاديمي  كعميد لكلية الدراسات العليا، مضيفاً: " عندما أصدر جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى، وكان عندها وليا للعهد، أمراً إدارياً بتعييني مستشاراً ثقافياً وعلمياً بديوانه، بالإضافة إلى عملي الأكاديمي بجامعة الخليج العربي، أذكر إني قلت لجلالته أريد مواصلة دوري الأكاديمي والثقافي، فقال: نحن نريد ذلك أيضاً، فنحن لا نريد مثقفين ينعزلون عن الناس، فقد لمست لدى جلالته توجهات إصلاحية منذ ذلك الوقت كما لاحظت إن جلالته قارئ نهم مطلع على تجارب الأمم وكانت أسئلته تحمل الكثير من الاهتمام بتطبيقها محلياً".
موضحاً" كانت الحركة الأدبية الجديدة تتبلور في البلاد والاتجاه لتأسيس أسرة للأدباء والكتاب، منذ ذلك الوقت المبكر قياساً ببلاد الجوار، وقد ساهمت في ذلك التأسيس وكنت ناشطاً فيه، أما في حقل الدراسات الأدبية الحديثة فقد وجدت إن الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة كان متقدماً في زمن ظهوره، وقد أرخ له أمين الريحاني في "ملوك العرب" لدى زيارته إلى البحرين، في عشرينيات القرن المنصرم، وبحكم ترتيبه الزمني وأستاذيته للجيل الذي جاء بعده كعبدالله الزايد مؤسس النادي الأدبي بالمحرق ومصدر أول صحيفة بالخليج العربي، وهي صحيفة البحرين، رأيت إصدار أول كتاب في دراسات الأدب البحريني الحديث عن الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، وكان الكتاب متضمناً لدراسة عنه وتجميعا لقصائده ورسائله وشعره النبطي".

ومن جهة أخرى قالت الدكتورة زهيدة درويش أن " ما يميز العولمة كما انتشرت في التسعينيات، ويجعلها تختلف جذرياً عن العالمية هو أنها تقوم على مبدأ الهيمنة المتأسسة على الترويج لنموذج حضاري واحد، وأنها تقسم العالم إلى دول غنية تتحكم بالاقتصاد والسياسة والثقافة، وتمتلك وسائل الانتاج والتكنولوجيا ودول فقيرة عاجزة عن مواكبة التطور، خاضعة لسيطرة الاقتصاد المتفوق، غير أن العولمة تشتمل أيضاً على إيجابيات يمكن الإفادة منهم مما يحتم علينا أن لا نقف منها موقفاً سلبياً رافضاً بالمطلق، بل أن نحاول معرفتها وإدراك مخاطرها، أي أن نكون في داخلها كي نستطيع أن نغير مضامينها ونحد من مساوئها بل أن نعمل على إعطائها مضموناً أخلاقياص يقوم على الحرية والعدالة واحترام الخصوصيات الثقافية للشعوب التي تكون المجتمع، وإلا تحول العالم إلى ساحات للصراع ، إلى بؤر للعنف قابلة للتفجر".
وأشارت الدكتورة زهيدة إلى أن " الهوية في زمننا معطى جاهزاً، وليست مجموعة صفات صبت في قوالب جامدة لا تتبدل، بل هي في حالة صيرورة وتحول مستمر نتيجة الاحتكاك بالآخر، واختلاط الشعوب والثقافات التي نرى فبها إحدى إيجابيات التقدم الكنولوجي، مضيفة" لم تعد الثقافة اليوم قادرة على أن تعزل نفسها عن تأثيرات الثقافات الوافدة، مما يطرح إشكالية العلاقة بالآخر ويضعها في أولويات الاهتمامات االثقافية والتربوية".
وأكدت الدكتورة زهيدة على أن دور خصوصية المرأة وحظورها بالعالم ونظرتها المختلفة إلى الكون وإلى علاقة الإنسان بمكونات الوجود من حولها، فلا يقتصر دورها على الجمعيات النسائية والخيرية بل يتجاوزه إلى الجمعيات المختلطة التي تطرح القضايا الأساسية كالديمقراطية وحقوق الإنسان، والحقوق المدنية.
وناقش الدكتور هاشم صالح بدوره  ورقته "من دمشق إلى باريس: تأثير الأنوار الفرنسية على ثقافتي وتكويني"، والتي ذهب فيها ساردا ً تجربته العينية الشخصية، وانتقاله من سوريا إلى باريس مدينة الأنوار، قائلاً" اللغة الفرنسية هي التي أتاحت لي التعرف على الفكر الحديث كله. لولاها لما قرأت جان جاك روسو بالنص الأصلي، ولا فولتير،ولا ديكارت ولا جميع فلاسفة التنوير الأوروبي.كم كنت سأخسر عندئذ؟ بل وما كنت قرأت حتى فلاسفة ألتنوير الألماني ككانط وهيغل ونيتشه وسواهم.ما كان أتيح لي أن أتعرف عليهم من خلال الترجمات الفرنسية الممتازة، وقل الأمر ذاته عن فلاسفة الانكليز وأدبائهم وشعرائهم من جون لوك الى برتراند رسل، ومن شكسبير الى ووردزوورث..وبصراحة ليس عندي أية ثقة بالترجمات العربية".
موضحاً" تجربة أوروبا كانت حاسمة لعدة أسباب، أولها انها تتيح لك أن تبتعد عن نفسك و عن بيئتك الاولى ومحيطك وكوابيسك، باختصار فإنها تتيح لك أن تتنفس الصعداء، أن تنظر إلى ماضيك وأصلك وفصلك عن مسافة، انها تتيح لك أن تصفي حساباتك مع ذاتك، وبالتالي تخفف الأحمال والأثقال عن ظهرك، وثانيها انها تتيح لك ان تتقن لغة اوروبية حديثة مليئة بالمراجع في شتى أنواع الاختصاصات والعلوم، وحتى تاريخ العرب والإسلام ما كان بإمكاني أن أفهمه بشكل تاريخي موضوعي لولا اطلاعي على العديد من المراجع الاساسية في اللغة الفرنسي، ومعظمها إن لم يكن كلها غير مترجم إلى العربية، وإذا ما ترجم فنادراً أن تكون الترجمة صحيحة أو موثوقة، كل الفتوحات المعرفية التي حصلت في اوروبا منذ القرن السادس عشر وحتى الآن ما كان بإمكاني الاطلاع عليها لو أني بقيت في سوريا وظللت محصوراً بلغتي الأصلية أي العربية".

المشاركة في معرض الفنون التشكيليّة 43 خريطة البحرين