المركز الإعلامي

02 ديسمبر 2013 وزيرة الثّقافة: لا يمكن للثّقافة أن تتركَ الحضارات تتداعى، وهي من صميم قضاياها
وزيرة الثّقافة: لا يمكن للثّقافة أن تتركَ الحضارات تتداعى، وهي من صميم قضاياها

في صنيع الثّقافة، لا زالت مدينة المحرّق تحتفظ بنسيجها العمرانيّ الحميم، ولا زال وجه هويّتها الحضاريّ والتّاريخيّ والبيئيّ يستردّ من الحياة شيئًا فشيئًا في سياق المشاريع العمرانيّة الحفاظيّة التي تقوم بها وزارة الثّقافة من أجل إبقاء الهويّة المكانيّة وتوثيق السّيرة الإنسانيّة في قلب هذه المدينة العريقة. وقد حرصت وزارة الثّقافة في مخطّطاتها واشتغالاتها التّرميميّة والحفاظيّة أن تلتفّ حول مدينة المحرّق بعناصرها التّراثيّة وبجوهرها الإنسانيّ، فأوجدت في قلبها العديد من المشاريع التي تركّز على المكتسبات التّاريخيّة وتحاول إعادة تصديرها إلى المجتمع المحليّ والعربيّ والعالميّ من خلال العديد من المحاور والمرتكزات، التي أعادت الهويّة البحرينيّة إلى العديد من البيوت التي كادت أن تُهدَم أو تستبدل عناصرها، إلى جانب التّركيز على هذه المشاريع باعتبارها جزءًا من مشاريع البنية التّحتيّة الثّقافيّة والسّياحيّة المشتركة لمختلف دول الوطن العربيّ. وفعليًّا، فقد حصد هذا الاشتغال المبكّر بالنّسبة للمنطقة العربيّة اعترافات عالميّة، أُدرِج من خلالها مشروع (طريق اللّؤلؤ: شاهدٌ على اقتصاد البحرين) على قائمة التّراث الإنسانيّ العالميّ في العام الماضي 2012م.

حول ذلك، أكّدت معالي وزيرة الثّقافة الشّيخة ميّ بنت محمّد آل خليفة: (الثّقافة راهنت على العمران كأداة حفاظيّة وكسلوك ثقافيّ تحمي فيه تلك الحضارات والمكتسبات من النّسيان أو من التّآكل أمام ما تصنعه المدن الحديثة والمدّ العمرانيّ المعاصر)، وأشارت إلى فكرة استرداد الهويّة والتّمسّك بالحضارات والعادات والتّقاليد، مبيّنةً: (للعمران قدرة على الاستمرار والمواصلة، معظم ما نحمله من الأجداد والحضارات السّابقة يتّصل بأمكنة تخصّهم وبطرزٍ معماريّة كادت تتضاءل أمام الحداثة لولا أن استعادها العمران حسّيًّا، بصريًّا وواقعيًّا. إن فكرة استبقاء المكان وإعادة إحيائه من خلال النّشاط الثّقافيّ والسّيرة الإنسانيّة هي تجاوزٌ لوقف التّأمل وتعاملٌ غير تقليديّ مع المكوّن المكانيّ. لا يمكن للثّقافة أن تتركَ الحضارات تتداعى، وهي من صميم قضاياها، فثقافةٌ تهدرُ تلك الأمكنة وتتركها للمحوّ والتّراجع لا تشبه البحرين بتاتًا).

جسّد مشروع طريق اللّؤلؤ حدثًا عالميًّا بالمكوّن الذي يوثّق سيرة الإنسان السّابق ويستدعيها في كل أنساقها ومخيالها الجماعيّ وواقعها المعيشيّ، بدءًا من مركز معلومات قلعة بو ماهر الذي دُشّن يوم الأربعاء الماضي برعاية كريمة وسامية من صاحب السّمو الملكيّ الأمير سلمان بن حمد آل خليفة وليّ العهد، ومرورًا بالعديد من الأجزاء المتسلسلة التي تسرد حكاية اللّؤلؤ، وتشمل ثلاث هيرات، الخطّ السّاحليّ الأخير جنوب المحرّق و16مبنى أثريًّا داخل مدينة المحرّق (تمّت إعادة توزيعها على 11 مجمّعًا) والتي تمتدّ جميعها لتحكي اللّؤلؤ منذ الغوص وحتّى تجارة اللّؤلؤ في طريق يصل طوله إلى 3.5كيلومترات.

ومن أجل إنجاز هذا المشروع الضّخم، فقد استعانت وزارة الثّقافة بالعديد من الخبراء والاختصاصيّين، كما تواصلت مع العديد من أهالي المنطقة والمعنيّين بالمشروع في العديد من اللّقاءات. وفي إطار الجهود المبذولة لإحياء وتطوير سوق القيصريّة بالمحرّق فقد اهتمّت الوزارة بهذا السّوق، وسعت أن تدمج في أعمال التّرميم والمتابعة فريقًا من الخبراء الذين اشتغلوا على إتمام عمليّات التّرميم بصورة علميّة ومدروسة طبقًا للاشتراطات العالميّة المتّبعة في ترميم المواقع التّراثيّة، واعتبر صندوق التّراث العالميّ سوق القيصريّة آنذاك نموذجًا يلفت الأنظار لهذه المواقع والمواقع الشّبيهة في منطقة الشّرق الأوسط. أمّا البيوت التّراثيّة والتّاريخيّة فقد سعت وزارة الثّقافة لاستملاكها وإعادة إحيائها في مسار طريق اللّؤلؤ أو ضمن مشاريع التّرميم والإحياء العمرانيّ، خصوصًا وأن العديد منها قد تعرّض للتّشويه أو التّغييرات العشوائيّة بسبب غياب الوعيّ بالأهميّة التّاريخيّة والقيمة التّراثيّة لتلك الأمكنة، وجاءت هذه الخطوة ضمن اختصاص وزارة الثّقافة وتقديرها للأهميّة التّاريخيّة والمكانيّة، وفي ذلك أشارت معالي وزيرة الثّقافة: (لا ينفصل العمران عن الإنسان، كلّما أنقذنا مكانًا فنحن ننقذ أجدادنا وإنسان اليوم بهويّته وعاداته وبيئته. العمارة ليست دورًا كماليًّا أو نحتًا للعيش فيه فحسب، ومن هنا نتبنّى تلك الأمكنة التي لا تحظى باهتمام، وعمران تلك المنطقة تحديدًا يجسّد التّراث الحديث الذي يعود للعقود الأخيرة، وهو الحقل الذي نسعى لتوثيقه خوفًا من الضّياع)، وأكّدت أن كلّ تلك البيوت والبناءات مسجّلة على قائمة يتمّ الاشتغال فيها بصورة متّسقة ومتوازية، حيث شكّل قطاع التّراث الوطنيّ فريقًا خاصًّا للتّدخّل السّريع، وذلك لاتّخاذ العديد من الإجراءات الطّارئة ومتابعة مجريات الموضوع، وقد اشتغل قسم العمارة في المراحل السّابقة على مسح طريق اللّؤلؤ وتقديم ملفّات خاصّة لدراسة كلّ البيوت والحالات المقدّمة وانتقاء أهمّ تلك الملامح الإنسانيّة. وقد استطاع الفريق خلال فترة قصيرة من أن ينقذ العديد من البيوت الآيلة للسّقوط وإعادة ترميمها وإحيائها، ولأجل ذلك توسّع فريق التّدخّل السّريع، وانضمّ إليه 20 عاملاً وأخصّائيًّا في سبتمبر الماضي. وقد حظيت العديد من البيوت بدعائم وهياكل مساندة منعًا لانهيار تلك البيوت، وحفاظًا على سلامة مستخدمي المكان.

وأوضحت وزارة الثّقافة أنّها تسعى للقيام بدورها على أكمل وجه، فهي تقوم بتحديد المواقع الأثريّة والتّراثيّة بهدف إبراز قيمتها وتقوم بالإبلاغ عنها بهدف تبنّيها واستملاكها، الأمر الذي يقع ضمن حدود مسؤوليّاتها واشتغالاتها الفكريّة والتّاريخيّة، مؤكّدةً أنّ ذلك لا يخلي مسؤوليّة الجهات الأخرى المعنيّة، فكلّ أدوار البلديّة والصّحّة العامّة ووزارة الأشغال وغيرها من الجهات المعنية تبقى قائمة باعتبار هذه المشاريع تكاملاً ما بين مختلف المؤسّسات والجهات، وقد قدّمت وزارة الثّقافة في كلّ مراحل مشاريعها عددًا من التّقارير والدّراسات، كما عقدت العديد من الاجتماعات واللّقاءات مع مختلف الأطراف من أجل إنجاز المشروع على الوجه الأكمل.

أمّا فيما يتعلّق بالمسائل الأمنيّة واشتراطات السّلامة، فهي متّبعة من قِبَل الوزارة، والمكوّن المكانيّ الذي تلتزم به يخضع للعديد من الاشتراطات والمعايير الدّقيقة، وفي علاقة هذا المكوّن بنسيج المدينة فإنّها تواصل مهامّها في دعوة للعديد من الجهات للتّعاون والتّجاوب معها كي تتمكّن تلك الأخرى من توفير البيئة المساندة للمشروع. وطيلة فترة العمل، لم تمانع وزارة الثّقافة أيّة جهة من اتّخاذ خطواتها اللّازمة بشأن بعض المنازل الخَطِرة التي لا تشكّل قيمة تراثيّة أو إنسانيّة، بل استوعبت كافّة الأعمال التي تملك الثّراء التّراثيّ وجاءت أدوارها من أجل إحياء المدينة القديمة واستعادة موروثاتها وحياتها. وأكّدت معالي وزيرة الثّقافة: (نسعى لفعل ما نحلم.العمران كان وسيلتنا لتحسين الحياة ضمن المدينة، لم يكن دورنا ضدّ الإنسان المحليّ، بل على العكس مساندًا ومؤيّدًا له. ففيما يتّجه النّاس حاليًّا إلى المدن الحديثة ويهجرون مدن الآباء والأجداد، تأتي الثّقافة لتعيدهم. لا نريد أن نورّث تاريخنا إلى آخرين، فنحن من نصنع التّاريخ ومسؤوليّتنا أن نستمرّ فيه. ما نقوم به لا يُبقي البيوت فحسب، بل يمثّل تلويحة عودة للسّكان المحليّين الذين انفضّ جزء كبير منهم عن المدينة الأمّ).

 

المشاركة في معرض الفنون التشكيليّة 43 خريطة البحرين